فخر الدين الرازي
123
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : في قوله : * ( لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ) * قولان الأول : وهو المشهور أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا ، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع كما قال : * ( يبين الله لكم أن تضلوا ) * ( النساء : 176 ) وكما قال : * ( رواسي أن تميد بكم ) * ( لقمان : 10 ) قال صاحب " الكشاف " : حذف أن واللام كل واحد منهما جائز بانفراده . أما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صوت القرآن عنها والقول الثاني : وهو الذي اختاره صاحب " الكشاف " أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ، وهو حكاية حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب ، مدحورون عن ذلك المقصود . المسألة الرابعة : الملأ الأعلى لملائكة لأنهم يسكنون السماوات . وأما الإنس والجن فهم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض . واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة الأولى : أنهم لا يسمعون الثانية : أنهم يقذفون من كل جانب دحوراً وفيه أبحاث : الأول : قد ذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف عند قوله : * ( اخرج منها مذءوماً مدحوراً ) * ( الأعراف : 18 ) قال المبرد الدحور أشد الصغار والذل وقال ابن قتيبة دحرته دحراً ودحوراً أي دفعته وطردته . البحث الثاني : في انتصاب قوله : * ( دحوراً ) * وجوه الأول : أنه انتصب بالمصدر على معنى يدحرون دحوراً ، ودل على الفعل قوله تعالى : * ( ويقذفون ) * الثاني : التقدير ويقذفون للدحول ثم حذف اللام الثالث : قال مجاهد دحوراً مطرودين ، فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر كالركوع والسجود والحضور . البحث الثالث : قرأ أبو عبد الرحمن السلمي دحوراً بفتح الدال قال الفراء كأنه قال يقذفون يدحرون بما يدحر ، ثم قال ولست أشتهي الفتح ، لأنه لو وجد ذلك على صحة لكان فيها الباء كما تقول يقذفون بالحجارة ولا تقول يقذفون الحجارة إلا أنه جائز في الجملة كما قال الشاعر : تعال اللحم للأضياف نيئاً ( c ) أي تعالى باللحم الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولهم عذاب واصب ) * والمعنى أنهم مرجومون بالشهب وهذا العذاب مسلط عليهم على سبيل الدوام ، وذكرنا تفسير الواصب في سورة النحل عند قوله تعالى : وله الدين واصباً ) * ( النحل : 52 ) قالوا كلهم إنه الدائم ، قال الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد والموجع فهو معنى وليس بتفسير . ثم قال تعالى : * ( إلا من خطف الخطفة ) * ذكرنا معنى الخطف في سورة الحج قال الزجاج وهو أخذ الشيء بسرعة ، وأصل خطف اختطف قال صاحب " الكشاف " * ( من ) * في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطبة أي اختلس الكلمة على